محمد بن جرير الطبري
119
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
بحليهن ويجالدن به : إذا هن نازلن أقرانهن * وكان المصاع بما في الجون يقال منه : ماصعه مصاعا . وكأن مجاهد ا إنما قال : " مصع ملك " ، إذ كان السحاب لا يماصع الملك ، وإنما الرعد هو المماصع له ، فجعله مصدرا من مصعه يمصعه مصعا ، وقد ذكرنا ما في معنى الصاعقة ما قال شهر بن حوشب فيما مضى . وأما تأويل الآية ، فإن أهل التأويل مختلفون فيه . فروي عن ابن عباس في ذلك أقوال ؛ أحدها ما : حدثنا به محمد بن حميد ، قال : حدثنا سلم ة ، قال : حدثنا محمد بن إسحاق ، عن محمد بن أبي محمد مولى زيد بن ثابت ، عن عكرمة ، أو عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس : أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّماءِ فِيهِ ظُلُماتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصابِعَهُمْ فِي آذانِهِمْ مِنَ الصَّواعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ أي هم من ظلمات ما هم فيه من الكفر والحذر من القتل على الذي هم عليه من الخلاف ، والتخويف منكم على مثل ما وصف من الذي هو في ظلمة الصيب ، فحمل أصابعه في أذنيه من الصواعق حذر الموت يَكادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصارَهُمْ أي لشدة ضوء الحق ، كُلَّما أَضاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قامُوا أي يعرفون الحق ويتكلمون به ، فهم من قولهم به على استقامة ، فإذا ارتكسوا منه إلى الكفر قاموا متحيرين . والآخر ما : حدثني به موسى بن هارون ، قال : حدثنا عمرو ، قال : حدثنا أسباط ، عن السدي في خبر ذكره عن أبي مالك ، وعن أبي صالح عن ابن عباس ، وعن مرة ، عن ابن مسعود ، وعن ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم : أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّماءِ فِيهِ ظُلُماتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ إلى : إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ أما الصيب والمطر كان رجلان من المنافقين من أهل المدينة هربا من رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المشركين ، فأصابهما هذا المطر الذي ذكر الله فيه رعد شديد وصواعق وبرق ، فجعلا كلما أضاء لهما الصواعق جعلا أصابعهما في آذانهما من الفرق أن تدخل الصواعق في مسامعهما فتقتلهما ، وإذ لمع البرق مشيا في ضوئه ، وإذا لم يلمع لم يبصرا وقاما مكانهما لا يمشيان ، فجعلا يقولان : ليتنا قد أصبحنا فنأتي محمدا فنضع أيدينا في يده فأصبحا فأتياه فأسلم أو وضعا أيديهما في يده وحسن إسلامهما . فضرب الله شأن هذين المنافقين الخارجين مثلا للمنافقين الذين بالمدينة . وكان المنافقون إذا حضروا مجلس النبي صلى الله عليه وسلم ، جعلوا أصابعهم في آذانهم فرقا من كلام النبي صلى الله عليه وسلم أن ينزل فيهم شيء أو يذكروا بشيء فيقتلوا ، كما كان ذانك المنافقان الخارجان يجعلان أصابعهما في آذانهما ، وإذا أضاء لهم مشوا فيه . فإذا كثرت أموالهم وولد لهم الغلمان وأصابوا غنيمة أو فتحا مشوا فيه ، وقالوا : إن دين محمد صلى الله عليه وسلم دين صدق فاستقاموا عليه ، كما كان ذانك المنافقان يمشيان إذا أضاء لهم البرق مشوا فيه ، وإذا أظلم عليهم قاموا . فكانوا إذا هلكت أموالهم ، وولد لهم الجواري ، وأصابهم البلاء قالوا هذا من أجل دين محمد ، فارتدوا كفارا كما قام ذانك المنافقان حين أظلم البرق عليهما والثالث ما : حدثني به محمد بن سعد ؛ قال : حدثني أبي ، قال : حدثني عمي ، عن أبيه ، عن جده جد أب عم سعد ، عن ابن عباس : أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّماءِ كمطر فِيهِ ظُلُماتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ إلى آخر الآية ، هو مثل المنافق في ضوء ما تكلم بما معه من كتاب الله وعمل ، مراءاة للناس ، فإذا خلا وحده عمل بغيره . فهو في ظلمة ما أقام على ذلك . وأما الظلمات فالضلالة ، وأما البرق فالإِيمان ، وهم أهل الكتاب . وإذا أظلم عليهم ، فهو رجل يأخذ بطرف الحق لا يستطيع أن